(4) الاقتباسات

كان السواق قد حملوا لينا إلى الكتيبة الطبية. وإذ دخل أليشين حوش الدار وسار في الحديقة المكتظة بعربات الإسعاف والنقالات لم ير لينا في أول وهلة. كانت مستلقية على نقالة نحيلة شاحبة كشعاع الخريف تضغط خدها على معطف مطوي تتوسده تحت رأسها. وكان حاجباها المستقيمان يقطبان في معاناة ويخطان بياض جبينها ويضطربان أحيانا فتبدو كأن ظلالا داكنة تمر عبر وجهها عاكسة الأفكار التي تعذبها. وسمعت صوت أليشين على نحو غامض حاملا لها شيئا قريبا مألوفا لها. وفتحت عينيها، لكنها لم تجب لا بصوتها، ولا بنظرة منها. واكتفت بأن هزت أصابعها مودعة.

- لينوتشكا… وداعا… يا لينوتشكا… لن ننساك أبدا… وداعا يا لينوتشكا…

ولم تنصت إلى أليشين وغورباتشوف وهما يغادران بل استلقت هادئة فاقدة الوعي، وكأنها تغطس في ماء دافئ راغبةفي شيء واحد هو أن لا يلمسها أحد.

وكانت تصلها بخفوت أصوات العالم الخارجي: وقع الخطوات في الحديقة، وحفيف المعاطف، ورجال النقالات كالظلال، يمرون بها ويتخطونها، وهسيس الأعشاب، والأوراق المعدومة الوزن تساقطت من أشجار التفاح على صدرها، وانحشرت في شعرها. وطلب شخص بجانبها ماء خلال أناته المتباطئة، ونادى شخصا بهمسه الناشج.

“من يئن هنا؟ أليس بوسعه أن يحتمل الألم؟ أحقا أنه يعرف الألم الحقيقي؟” - فكرت هي وقد اختلج وجهها، وارتجف حاجباها، فعضت شفتيها، وكبتت نفسها وجاهدت أن تتذكر ما كان قبل موته - صوته وعادته في إصلاح وضع مسدسه، ونظرته، وابتسامته.

ومرة فتحت عينيها. كانت أغصان أشجار التفاح العارية تبدو داخلة في السماء السحابية الواطئة الفائرة، هناك بين الخطوط البنفسجية الملتوية يسود نور خفيف غامض يسبح تحت الشمس الخريفية الباردة ويتلألأ ففكرت: “من أين جاء هذا النور؟ ولم هو هنا؟ لم كل ذلك؟ السماء والهواء ما دام قد راح… لم كل هذا؟”

- إيه، أيتها الشمس الدافئة! يا لجمالك! أي هدوء يشمل العالم! لا يصدق! - بلغها هذا بصوت خشن لمدمن على التدخين وكأنما دفعها بقوة من عالم الغبش الذهبي إلى الواقع. وفهمت بطرف ذهنها ما تحدث به بجمال هذا الصوت الغريب الذي يبدو وكأنه بلون رمادي. وأدارت رأسها ورأت بشعور يقرب من الكراهية عند واجهة البيت رجلا أشيب في روب أبيض مبقع ببقع داكنة في الردنين. وكان يسند ظهره إلى إطار الباب ويدخن ببطء وتعب ويتطلع إلى السماء فوق الحديقة.

واستدارت وكأنها تحمي نفسها من شيء ما، وضغطت خدها على شعر المعطف الخشن. ونظرت وهي تبكي إلى النقالة المجاورة لها. وكانت تسمع الأنات الصادرة منها طوال الوقت. كان عليها فتى تشيكي ذو شعر كتابي في حالة هذيان يحاول أن يزيل الضمادة من صدره. وكانت ثمة قطرات من العرق تنتشر على شفته العليا المغطاة بالزغب الناعم الطفولي. وهمس التشيكي وكأنه تعجل إلى مكان ما متفوها بكلمات غير مفهومة متقطعة فكت معناها بعد جهد.

- ماء… ما…

وتلمست زمزميتها رافعة جسمها قليلا، وقضت وقتا طويلا في فك غطائها بأصابعها التي فارقتها الحياة وكأنها لا تعرف ذلك. وجاهدت أن تكتم عبراتها، ووضعت الزمزمية على شفتي التشيكي، ورأت من خلال الدمع كيف راح يعب من الماء باسترواح، وهي تهمس:

- سيزول الألم، سيزول الألم…

واستلقت على جنب صدرها الأيسر الذي كان فيه الغم. ومرة أخرى ضغطت خدها على المعطف الخشن، وراحت تعض بأسنانها ياقته كيلا تصرخ من الألم.

من رواية “الطلقات الأخيرة” للكاتب الروسي السوفييتي يوري بونداريف

3 ردود على “(4) الاقتباسات”

  1. م.س. احجيوج قال:

    الأسماء الروسية تصر دومًا على السقوط من ثقوب ذاكرتي، لذلك تمرنت على القفز عليها بين الأسطر. وأما الآن فلا مانع من القفز على الأسطر ذاتها.

    إنه التعليق الرابع. كم تبدو الطريق طويلة!

  2. عصام إزيمي (كودو سابقا) قال:

    يمكنني الآن أن أقضم حنجرتك بضمير مرتاح..
    جلست أقرأ بنيةة حسنة و أنا أحاول تلمس مواطن القوة والضعف في المقطع و أحاول تحليله كي أجد عبارات محترحمة أقولها بكل تواضع كأي عالم ببواطن المور.. ثم في النهاية اجد أنه مقطع مقتبس من رواية لكاتب روسي لا يمكنني ان انطق حتى اسمه صحيحا..

    أكتبها من البداية .. هكذا كنت سأختصر على نفسي قراءة تدوينة طويلة.. (بالمناسبة، ظللت طيلة المقطع اتساءل عن سر حماسك للتأليف..)
    خلاصة الأمر.. تبا لك ولي لأنني مصر على الاستمرار..

  3. صديق قال:

    كان السواق قد حملوا لينا إلى الكتيبة الطبية. وإذ دخل أليشين حوش الدار وسار في الحديقة المكتظة بعربات الإسعاف والنقالات لم ير لينا في أول وهلة. كانت مستلقية على نقالة نحيلة شاحبة كشعاع الخريف تضغط خدها على معطف مطوي تتوسده تحت رأسها. وكان حاجباها المستقيمان يقطبان في معاناة ويخطان بياض جبينها ويضطربان أحيانا فتبدو كأن ظلالا داكنة تمر عبر وجهها عاكسة الأفكار التي تعذبها. وسمعت صوت أليشين على نحو غامض حاملا لها شيئا قريبا مألوفا لها. وفتحت عينيها، لكنها لم تجب لا بصوتها، ولا بنظرة منها. واكتفت بأن هزت أصابعها مودعة.

    - لينوتشكا… وداعا… يا لينوتشكا… لن ننساك أبدا… وداعا يا لينوتشكا…

    ولم تنصت إلى أليشين وغورباتشوف وهما يغادران بل استلقت هادئة فاقدة الوعي، وكأنها تغطس في ماء دافئ راغبةفي شيء واحد هو أن لا يلمسها أحد.

    وكانت تصلها بخفوت أصوات العالم الخارجي: وقع الخطوات في الحديقة، وحفيف المعاطف، ورجال النقالات كالظلال، يمرون بها ويتخطونها، وهسيس الأعشاب، والأوراق المعدومة الوزن تساقطت من أشجار التفاح على صدرها، وانحشرت في شعرها. وطلب شخص بجانبها ماء خلال أناته المتباطئة، ونادى شخصا بهمسه الناشج.

    “من يئن هنا؟ أليس بوسعه أن يحتمل الألم؟ أحقا أنه يعرف الألم الحقيقي؟” - فكرت هي وقد اختلج وجهها، وارتجف حاجباها، فعضت شفتيها، وكبتت نفسها وجاهدت أن تتذكر ما كان قبل موته - صوته وعادته في إصلاح وضع مسدسه، ونظرته، وابتسامته.

    ومرة فتحت عينيها. كانت أغصان أشجار التفاح العارية تبدو داخلة في السماء السحابية الواطئة الفائرة، هناك بين الخطوط البنفسجية الملتوية يسود نور خفيف غامض يسبح تحت الشمس الخريفية الباردة ويتلألأ ففكرت: “من أين جاء هذا النور؟ ولم هو هنا؟ لم كل ذلك؟ السماء والهواء ما دام قد راح… لم كل هذا؟”

    - إيه، أيتها الشمس الدافئة! يا لجمالك! أي هدوء يشمل العالم! لا يصدق! - بلغها هذا بصوت خشن لمدمن على التدخين وكأنما دفعها بقوة من عالم الغبش الذهبي إلى الواقع. وفهمت بطرف ذهنها ما تحدث به بجمال هذا الصوت الغريب الذي يبدو وكأنه بلون رمادي. وأدارت رأسها ورأت بشعور يقرب من الكراهية عند واجهة البيت رجلا أشيب في روب أبيض مبقع ببقع داكنة في الردنين. وكان يسند ظهره إلى إطار الباب ويدخن ببطء وتعب ويتطلع إلى السماء فوق الحديقة.

    واستدارت وكأنها تحمي نفسها من شيء ما، وضغطت خدها على شعر المعطف الخشن. ونظرت وهي تبكي إلى النقالة المجاورة لها. وكانت تسمع الأنات الصادرة منها طوال الوقت. كان عليها فتى تشيكي ذو شعر كتابي في حالة هذيان يحاول أن يزيل الضمادة من صدره. وكانت ثمة قطرات من العرق تنتشر على شفته العليا المغطاة بالزغب الناعم الطفولي. وهمس التشيكي وكأنه تعجل إلى مكان ما متفوها بكلمات غير مفهومة متقطعة فكت معناها بعد جهد.

    - ماء… ما…

    وتلمست زمزميتها رافعة جسمها قليلا، وقضت وقتا طويلا في فك غطائها بأصابعها التي فارقتها الحياة وكأنها لا تعرف ذلك. وجاهدت أن تكتم عبراتها، ووضعت الزمزمية على شفتي التشيكي، ورأت من خلال الدمع كيف راح يعب من الماء باسترواح، وهي تهمس:

    - سيزول الألم، سيزول الألم…

    واستلقت على جنب صدرها الأيسر الذي كان فيه الغم. ومرة أخرى ضغطت خدها على المعطف الخشن، وراحت تعض بأسنانها ياقته كيلا تصرخ من الألم.

أكتب رداً: