(13) انشر قصة أو عملا أدبيا لك

هذه إحدى كتاباتي التي نشرت بتاريخ 4-12-2002 في أحد المنتديات، أي قبل ثلاث سنين تقريبا فيما يوافق 29 رمضان وليلة عيد ذلك العام. من دون أن أحرق حتى النبذة سأضعها كما هي ودون أن أعدل فيها بعد هذه الأعوام.

متطلب ضروري قبل ذلك أن تكون سبقت لكم قراءة “أسطورة آكل البشر” من روايات ما وراء الطبيعة.

أسطورةُ أسطورةِ آكل البشر

*

إن الناس لا يفهمون المنطوي أبدا.. قد يفهمون الوقح وقد يفهمون المزعج.. لكن المنطوي المهذب لا بد أن يثير لديهم الظنون..

*

القاهرة في 29 رمضان 2002
صديقي العزيز (صديق):
أكتب لك هذا الخطاب وأنا أشعر أن هناك أشياء غير عادية تحدث في الشقة المجاورة..!
*
كيف حالك أيها الصديق؟ وكيف حال دنياك؟
لقد ترددت كثيرا قبل كتابة هذا الخطاب. من ناحية لأنني لم أعودك على أنني ذلك الشخص الذي يكتب الخطابات كباقي خلق الله.. ومن ناحية أخرى لأنني أعرف انشغالك الدائم في كليتك، مما يضيف بهذا الخطاب – وضرورة الرد عليه! – عبئا جديدا إلى أعبائك..
كما قلت لك (صديق) هناك أشياء غير عادية تحدث في الشقة المجاورة.
أنت تعرف عادتي في السهر حتى الفجر لإنجاز أعمالي على الكمبيوتر وكتابة مراسلاتي الضرورية. حتى أنه يروق لك تسميتي بالخفاش، ويروق لي أنا هذا التشبيه.
هيه يا صديق.. ما بها الخفافيش؟ أنا أحب الخفافيش..
هل تعرف أن هناك أنواعا من الخفافيش تمص الدماء؟.. نعم، تعرف. هل تعرف أن هناك أنواعا من البشر تمص الدماء؟.. لعلك تعرف.
هل تعرف أن مصاصي الدماء هؤلاء حقيقة؟.. آهه.. وأنى لك أن تعرف شيئا كهذا؟
رسالتي هذه ستغير قناعاتك أي صديقي، وستدرك بعدها كم أنت ساذج.. ساذج، لا خبرة لك بما يدور في الحياة الحقيقية. رسالتي هذه قد تكون آخر ما يصلك مني قبل أن ترى نعيا صغيرا في ركن مهمل من صفحة الوفيات يحمل اسم (عزت).. صديقك الأبدي.
أنظر الآن إلى يميني حيث المسدس ذي الساقية الدوارة قد انتهيت من تذخيره بست رصاصات فضية..
عن يساري وتد خشبي مصقول، وسلة ثوم كريه الرائحة..
في رأسي، الكثير من الأفكار المتصارعة تتسابق لأسكبها لك عبر لوحة المفاتيح..
في قلبي، مخاوف.. وإصرار على إنهاء كل شيء الليلة..
في كتابي، قدر مجهول. لو كنت أعرفه، أو كان أحد ما على وجه هذه الأرض يعرفه، لأراحني وأراح العالم من الهول الذي يقطن الشقة التي بجواري..
في الشقة التي بجواري….
*
الساعة الآن منتصف الليل كما تعلم. هدوء مطلق لا تسمع فيه إلا صوت هدير القرص الصلب الخرب لجهازي المأفون، بينما تتسمر عيناي على الشاشة المضيئة وسط ظلام الغرفة، والليل. النسائم تهب من حين لآخر من نافذة الشرفة التي أتركها مفتوحة دائما.
أرشف رشفة من كوب الشاي الذي أعددته لنفسي، وأتثاءب. إن نكهة الصراصير في الشاي ليست على ما يرام الليلة.
على الشاشة أمامي موقع منتدى الروايات الذي أخبرتني عنه.
وهنا بدأت أسمع الضجيج.
هل تعرف كيف هو الحال عندما ينقطع وتر الكمان والأوركسترا تعزف؟
هكذا نهضت وفتحت بابي مضيئا الرواق. لا أحد.. لا صوت. ثم..
فجأة يرتفع صوت العواء من الشقة الوحيدة المجاورة لشقتي في هذا الطابق. عواء ذئب مجنون في ليلة اكتمل فيها القمر.
الليلة يكتمل فيها القمر! ثم عاد صوت الضجيج الذي يهز باب الشقة هزا. كأن أحدا ما يضرب نفسه في الحائط والأبواب داخل الشقة. هناك شيء غريب يحصل في هذه الشقة. هناك شيء غريب لا أحب أن أقاطعه الآن. لكنني سأسأل عنه البواب في الصباح.
*
وعندما يأتي الصباح، وصباحي يبدأ في الثانية عشرة ظهرا كما تعلم، أسأل البواب.
- أية شقة سيدي؟
- الشقة في الطابق الرابع يا عم دياب.
- آهه.. شقة الأصلع تقصد؟!
- …!
- نعم نعم (بصقة على سبيل قول: آه تذكرت).. إنه أصلع غريب الأطوار جاء منذ زمن. تصور سيدي أنه يدخن كقنبلة ذرية عندما تنفجر!.. مريب هو لم يتزوج ولم يفتتح عيادة. و..
- و؟
- وقد سألني عنك منذ بضعة أيام!
هكذا يا صديقي العزيز، وقد سأله عني منذ بضعة أيام. سأل عني، نعم سأل عني.
أخذت عنوان الكلية التي يعمل بها وجريت إلى هناك.
- الأستاذ رفعت؟.. تقصد الدكتور يا محترم!
- …!
- ستجده في مكتب أمراض الدم.
- شكرا لك.
سرت خطوتين، ثم.. ركضا خلف الأفندي الذي أجابني منذ دقيقة:
- إحم.. اعذرني ولكن أين هو مكتب أمراض الدم هذا؟!
- آهه.
(قالها على طريقة: ها هو غبي آخر ينوي أن يسود هذا اليوم في وجهي)
- يمين.. خطوتين.. شمال.. ثمان خطوات. أماما، شمالا، خلفا.. قسم كذا.. باب كذا.. مريض يتقيأ.. ستجده أمامك.
شكرته مجددا ووقفت أرمق عرض أكتافه وهو ينصرف هازا برأسه بذكاء. ها قد أنقذ أخا آخر في البشرية من الضلال.
حككت رأسي أخي (صديق)، وبدأت رحلة البحث. وفي هذا الرأس تلعب الفئران والصراصير وأشياء أخرى لن أزعجك بذكرها.. وبذرة فكرة..
مرعبة؟.. نعم. لا تُصدَّق؟.. نعم. مجرد فكرة؟.. نعم.
لكنها، كما سيتضح لي أنا الغرّ الساذج، حقيقة.. حقيقة كحقيقة أن الدم لا يصير ماء.. وأن الأفيال لا يمكن أن تطير بآذانها..
*
صديقي العزيز (صديق)..
هكذا تراني أمسك الآن المسدس بيدي اليمنى. أدس الثوم في جيبي على سبيل الحيطة، رغم أنني لا أعرف حقا ما فائدته.. والوتد في يسراي.
إنه منتصف ليلة العيد في آخر أيام رمضان. وإنني قد احتشدت برأسي الشكوك، ولا شيء سيثنيني الآن عن المضي قدما فيما أعتزمه.
صديقي أنا لست مجنونا – هل سمعت عن خفاش مجنون؟ – البشر فقط يجنون. لهذا سأحكي لك كل شيء:
في الأسبوع الماضي عدت متأخرا من إحدى جولاتي في الإسكندرية، وأنت تعرف لماذا أذهب هناك. هذه المدينة لا بد لي من زيارتها مرتين في الأسبوع على الأقل وإلا سأجن. أخبرتك من قبل أنني عشت بها سابقا لعدة سنوات، وقضيت بها نصيبا من الشباب، ولي فيها ذكريات مع الحجر والمدر. كعادتي دخلت لأغسل وجهي ففوجئت بالحنفية عالقة. وبحماسة أخيك التي تعرفها شمرت عن ساعدي دون حتى أن أخلع معطفي، وشرعت ألعب دور السباك الذي يعرف من أين تلوى أعناق الحنفيات.
طبعا خرجت راكضا مبللا غارقا حتى رأسي بالماء، ولدي حنفية مكسورة، وأخرى تنتظر.
دخلت المطبخ لأجد أن التوابل قد نفدت!.. إنها واحدة من ليال النحس تلك. لكنني لم أتذمر، ولماذا أتذمر؟.. ها هو الحظ يقدم لي فرصة التعرف على ذلك الجار الغامض على طبق من توابل، فهل أرفضها؟
لا أريد أن أطيل عليك صديقي (صديق) في تفاصيل لن تخدم قصتي هذه في شيء
[ طبعا، فكلكم تعرفونها من قصة آكل البشر ]
لكنني سأقدم لك ما تبحث عنه، وما يدعم شكوكي بشكل قاطع لا يدع مجالا لبراءة الحملان قبل أن يلتهمها الذئب..
أولا وجدت تماثيل لإحدى القبائل الأفريقية آكلة البشر وهي توضح الطقوس القديمة للكانيبالزم!
ثانيا، دليلي الآخر، هو بطارية صنعت في رومانيا!.. في رومانيا صديقي (صديق)؟.. هل رأيت في حياتك كلها بطارية صنعت في رومانيا؟.. وهل تصدق أن في الحياة مصادفات ترقى إلى هذا الحد؟.. إن المصادفات لهي من حقائق الحياة، نعم. لكن لا تحاول إقناعي أن ما يجري أمام ناظري، وأوشك أن أكون ضحيته لمجرد أنني أرفض أن أصدق، هو مصادفة أخرى من مصادفات هذه الحياة. لا تحاول، لأنني لن أقتنع.
دعني أراجع معك كل القرائن التي جمعتها:
الرجل عجوز منطو غريب الأطوار. يرأس قسم أمراض الدم (لاحظ معي: أمراض الدم) الذي لا يحوي طبيبا سواه، وقد أصر كما علمت من زيارتي التي حكيت لك عنها - إصرارا غريبا على إنشاء هذا القسم.
جميع جيرانه يظنونه مصيبة حية تمشي على قدمين في زي ملاك. ويحكون عنه قصصا أقل ما يقال عنها إنها مريبة. يقول العم دياب البواب وهو يبصق على سبيل قول (صدقني سيدي) إنه: مريب هو لم يتزوج ولم يفتتح عيادة.
يضع تماثيل أكلة البشر في مكان بارز من صالة شقته، ويمتلك بطارية صنعت في رومانيا.
صوت الضرب الذي سمعته ليلا، والذئاب التي تعوي في شقته!
هذا الرجل ليس مصيبة واحدة. هذا الرجل مستعمرة مصائب تنتظر الغر الساذج – أخوك – كي يدخل إليها بقدميه (وأنا الذي طرقت بابه ليلة بعد منتصف الليل!).. بعد كل هذا لا تقل لي إنك لم تفهم..
هذا الرجل بكل بساطة:
مصاص دماء.. مذؤوب.. وآكل بشر!
*
صديقي العزيز (صديق)..
لقد حانت ساعة الصفر. بعد قليل سأضغط زر إرسال الرسالة، وأتجه ملغما بكل أسلحتي الضرورية إلى موعدي مع القدر.
لن أضيء الرواق.. سأفتح الباب بصمت.. سأتسلل على أطراف أصابعي إلى باب الشقة المجاورة. ثم….
وداعا أخي الحبيب
عزت
*
القاهرة في 29 رمضان 2002
صديقتي العزيزة (سارة):
إنه العيد. والعيد يثير في النفس الشجن كما تعلمين. ستسألينني لماذا قررت أن أكتب إليك الآن؟ فعلا معك حق. ستسألينني لماذا لم أرد على خطاباتك؟ سأطلب منك المعذرة. ستسألينني لماذا لا أدخل في الموضوع مباشرة؟
تعرفين أنني لا أكتب إلا إذا كان لدي شيء لأقوله. وتعرفين أنني أحمل إليك قنبلة.
إذن سأدخل في الموضوع مباشرة..
ماذا تعرفين عن عالم ما وراء الطبيعة؟
*
صديقتي العزيزة (سارة)..
هل سمعت يوما عن آكلي لحوم البشر؟
تقولين لي دائما لماذا لا أعيش هذه الحياة. لماذا أنا منطوية أدفن نفسي في نفسي وأموت إذا تنشقت هواءً يشاركني فيه أحد. لكنني هذه المرة سأثبت لك كم أنت مخطئة.
هذه المرة أنا عشت خبرة جديدة أتحداك أن تدعي المرور بها. أنا تعرفت على آكل بشر!
ولم يكن هذا في أحراش أفريقيا، ولا صحاري أستراليا، بل هناك في العمارة الأنيقة التي أعيش بها في الدقي..
الليلة أدعوك إذن أيتها الساذجة إلى خبرة جديدة لم تعرفيها من قبل وعشتها أنا عنك..
*
الساعة الآن منتصف الليل كما تعلمين. هدوء مطلق لا تسمعين فيه إلا صوت تردد أنفاسي، بينما تتسمر عيناي على صفحات قصة جديدة من روايات ما وراء الطبيعة. النسائم تهب من حين لآخر من نافذة الغرفة التي أتركها مفتوحة دائما. والشاي بالنعناع نكهته ليست على ما يرام الليلة.
أنت تعرفين قصص ما وراء الطبيعة. لا؟.. هل نسيت بهذه السرعة. كنت قد حدثتك عنها قبل.. قبل سنتين!.. آه.
أنا لا أدري من يكتب هذه القصص، بطلها ليس وسيما مفتول العضلات فاتن نساء، بل عجوز أصلع قبيح.. ويقطن الشقة التي بالطابق العلوي!!!
هل تصدقين هذا!.. هاهاها.. على الأقل أنا متأكدة أنني حدثتك سابقا عن العجوز رفعت إسماعيل ومغامرته مع الصينيين وكتاب الخزعبلات الذي ظهر معهم عندما ظهروا واختفى معهم عندما تبخروا.
غريب الأطوار هو. ووالدي لم يتوقف عن لعنه يوما منذ تسبب بتلك المشكلة لسكان عمارتنا. ما لم أخبرك به – ولا أي مخلوق آخر – ولو فعلت لكانت كارثة، أنني رأيته مرة وقد جاء متسترا تحت جنح الليل بصحبة امرأة حافية رثة الثياب لكأنها خرجت من مياه إحدى ترع طريق فاقوس – تعرفين ترع طريق فاقوس – لتوها!
لم يدر المسكين وهو يتلفت واقفا بجوار سيارته باحثا عن الأعين الفضولية، لا يدري أن هناك فتاة يصيبها الأرق دائما يروق لها أن تراقب الشارع الهادئ في منتصف الليل بعد أن تطفئ الأنوار من نافذة غرفتها. ها هو الأصلع البريء الذي يظنه الناس ملاكا يتضح عن كارثة تمشي على قدمين! يبدو أن أبي على الأقل لم يأثم بسوء الظن.
أنا لا أدري من يكتب هذه القصص. ولا أعرف إن كان هو كاتبها، أو يعرف من كاتبها. لكنني أضحك حتى أموت عندما أفكر بأنني الفتاة الوحيدة التي تعرف أن هذه القصص حقيقة. حقيقة كحقيقة أن بطلها يقطن الشقة التي بالطابق العلوي.. وكحقيقة أن الدم لا يصير ماء.. وأن الأفيال لا يمكن أن تطير بآذانها.

***

صديقتي العزيزة (سارة)..
هكذا كنت غارقة في تأملاتي. أبكي على ماجي، وأتحسر على سلبية ذلك العجوز وتردده، وعاطفته التي جعلته يفقد أول وآخر حب في حياته.
وهنا سمعت الصراخ.
هل تعرفين كيف هو الحال عندما ينقطع وتر الكمان والأوركسترا تعزف؟
- هالا ا ا ا ا ة..
إنها أمي تناديني!.. هذا هو الموعد اليومي لرحلة الصعود إلى قمة إفرست.
تعرفين مشاكلنا الأبدية مع ثلاجتنا المعطلة. يذهب أبي لإصلاحها فتنقطع الكهرباء ثاني يوم خمسين مرة في الساعة الواحدة. فتتعطل مجددا.
يقرر أبي ألا يصلحها حتى يقضي الله أمرا مع كهرباء مدينتنا، فلا تنقطع من يومها مرة واحدة!
هكذا يصبح لزاما علي – أنا الأخت الصغرى الغلبانة – أن أصعد إلى الطابق السابع وأضع كيلو اللحمة الذي يجلبه أبي في ثلاجة جارتنا صديقة أمي الحميمة. والمصيبة أنها ثرثارة من طراز غير عادي وأمقتها شخصيا. عندما ترينها لكأنك تفتحين التلفاز بعد انتهاء الإرسال. نعم هو ذلك الصوت: شششششش، لكنها لا تتوقف أبدا إلا إذا حطمت الشاشة – وهذا مستحيل للأسف لأنها جارتنا أولا، ولأن دماغها ناشفة ويصعب تحطيمها – أو انفجر رأسك أنت من الصداع. أخذت كيس اللحمة وبدأت صعود الدرجات الألف بخطوة. لا داعي طبعا لأخبرك أن المصعد معطل.. حسبت هذا مفهوما. وصلت إلى الطابق الرابع حيث شقة (الملاك) الأصلع، فرأيت جاره – وهو قاطن حديث في عمارتنا لا يعرفه أحد – واقفا بمعطف الخروج يقطر بالماء من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، كأنه عائد للتو من الخارج رغم أن الليلة لم تكن ممطرة في القاهرة كما أذكر. حييته بسرعة أن مساء الخير، فالتفت إلي. كانت ملامحه مرعبة، شاحبة (كأنه لا ينام الليل!). وتباطأت في مشيتي وأنا أرمق يديه المعروقتين شديدتي الخشونة اللتين لم أر مثلهما قط من قبل. رد بتحية مقتضبة ولم يتزحزح. صوته مبحوح كرجل ظل مرميا لشهرين في الصحراء حتى جفت أحباله الصوتية! لا أدري ماذا كان يصنع هنا.. لوهلة بدا لي كأنه على وشك قرع باب المدخنة العجوز الأصلع، لكنه بقي واقفا هناك يتظاهر بتنفيض الماء عن معطفه، وواصلت أنا صعود الإفرست.
كل هذا صديقتي سارة كان يمكن أن يمر دون أن ألقي له بالا. لكنني عند نزولي من شقة جارتنا العجوز، التي تشبه حلقة برمجية نسيت أن تضعي لها شرط الخروج، وجدته واقفا في نفس الموضع يلتهم التوابل من ورقة مطوية بيده بشراهة!.. توابل يا سارة؟!.. توابل في منتصف الليل يلتهمها بجنون، كمريض بالفشل الكلوي لا بد له من الملح وإلا سيموت!. لا بد أن أحدنا مجنون!.. لا أعتقد أن ماجلان الذي دار حول الكرة الأرضية من أجل التوابل كان يجرؤ على إيقاظ جاره في هذه الساعة من أجلها!. لقد بدأت مخاوفي تتكاثف منذرة بالصواعق والرعود. هكذا أكملت طريقي مسرعة إلى أسفل. إن نزول الجبل – كما تعلمين – أسهل من تسلقه.
في الليلة الثانية لم أنس أن ألقي نظرة على سلة مهملاته بجانب الباب. هل تعرفين ماذا وجدت؟ كلا ليس عظاما بشرية!.. بل تذاكر. الكثير من تذاكر القطار من وإلى الإسكندرية. ماذا يفعل هناك؟.. ولماذا لا يستقل سيارة أجرة؟.. من أين يأتي هذا الأخ بالمطر، رغم أنها لم تمطر في أية بقعة في القاهرة ذلك اليوم، وقد حرصت على الحصول على نشرة الأحوال الجوية فعرفت أنها لم تمطر في الإسكندرية أيضا، ولا في أي مكان آخر؟
كل هذه الأسئلة وأكثر تكاد تصيبني بالجنون. لقد تحركت حاسة المخبر في نفسي ولن يطفئها الآن إلا أن أسأل عنه البواب في الصباح.
*
وعندما يأتي الصباح، أسأل البواب.
- أية شقة آنستي؟
- الشقة في الطابق الرابع يا عم دياب.
- آهه.. شقة الأصلع تقصدين؟!
- كلا كلا.. بل جاره غريب الأطوار.
- آهه.. المخبول الآخر إذن.
ابتسمت في سري وأنا أفكر بمن يعني بالمخبول الأول فيما راح يخبرني، من بين بصقاته، أشياء لم تشف غليلي ولم تطفئ اللهيب الذي يستعر في داخلي. صدقيني عزيزتي سارة هناك أشياء ليست على ما يرام تدور في الشقة في الطابق الرابع. صدقيني إنها حاسة الأنثى، وذلك الحدس الصائب الذي لا يخيب أبدا. كل القرائن تقول هذا:
ضوء الشقة الذي يبقى مضاءً حتى الصباح. هل تستطيعين أن تقولي لي ما الذي يستغرقه ليلة كاملة لعمله؟.. والأهم من هذا: يحتاج إلى التوابل!
ما سر سفرياته المتعددة إلى الإسكندرية؟.. ولماذا الإسكندرية بالذات، حيث بدأت تنتشر أخبار السفاح مؤخرا! ثم أي عمل هذا الذي يجعل يديك معروقتين إلى ذلك الحد؟ أنا لا أعرف عملا يدويا واحدا يفعل هذا. وحتى الحمالين في (الدكّة) التي عندنا لا يملكون أياد كتلك.
هناك أسئلة كثيرة تكاثفت وتكاثفت، وقد آذنت بالمطر. لهذا ترينني الآن أوشك على ضغط زر إرسال الرسالة.. أحمل بيمناي سكينة المطبخ الحادة، وأكتب لك هذه الكلمات لتكوني شاهدة على دمي المهدور إذا رأيت غدا نعيا صغيرا في ركن مهمل من صفحة الوفيات يحمل اسم (هالة).. صديقتك الوحيدة.
سأصعد الآن حاملة كيس اللحم والسكين بين طياته.. سأتسلل خلسة على أطراف أصابعي.. سأطرق الباب بهدوء..
وعندما سيفتح….
وداعا أختي الحبيبة
هالة
*
القاهرة في 29 رمضان 2002
عزيزي برفيسور (كاثريل):
أكتب إليك هذا الخطاب لأزف إليك الخبر.. لقد وجدت صيدنا الثمين!
*
الساعة الآن منتصف الليل كما تعلم. هدوء مطلق لا تسمع فيه إلا صوت قرقرة الشيشة في يدي، وضربات مرتادي القهوة على الطاولات. النسائم تهب من حين لآخر، وكوب الشاي بجواري ممتلئ حتى منتصفه بورق الشاي. هؤلاء الغشاشين!.. حتى القهاوي لم تعد كما كانت في الزمان الغابر الجميل، والفساد قد طال كل شيء هذه الأيام.
وا صديقي العزيز.. أين أيامنا عندما كنت تجلس هنا بجواري في ذات القهوة نرشف الشاي معا ونستمع إلى أوركسترا المقاهي التي تعزف دائما وكماناتها كلها مقطعة الأوتار!
أنا بكرشي العظيمة التي لا بأس بها على الإطلاق، وأنت بلحيتك الكثة، ومحاولاتك المضحكة للشرب من الشيشة كالمحترفين – مثلي – فأضحك عليك حتى أنفجر، لكنك لا تغضب وتبتسم.
هل تذكر حواراتنا معا؟
هل تذكر قصة آكل البشر؟
*
صديقي العزيز برفيسور كاثريل..
لقد جلست هنا مطولا أفكر فيما أخبرتني عنه. وفي رأيك بالطبيعة البشرية الذي لا أتفق فيه معك للأسف.
لهذا خطر في بالي أن الماء وحده يكذّب الغطاس.
نعم لماذا لا أبحث عن ذلك المهندس الذي أخبرتني قصته؟ المشكلة الوحيدة التي تواجهني أنني فقدت خطابك الأخير الذي حملت لي فيه بالتفاصيل أثناء موجة تنظيفات حماسية قمت بها بمناسبة العيد الذي أصبح على الأبواب.
لكنني ما زلت أذكر ما يلي:
مهندس شاب دون الثلاثين يغادر في طائرة ضمن أربعة ركاب. فتتعطل الطائرة – كما أصبح مفهوما هذه الأيام – وتضيع البعثة في رمال الصحراء. ثم بعد شهرين… إلخ إلخ.
أخبرتني أن اسمه طلعت أو همت؟.. هو مهندس(ة) إذن، لأن همت لا يستعمل هنا إلا للفتيات.
حسنا، لأكمل الليلة شرب الشاي بالأوراق، ولأبدأ البحث في الصباح.
*
وعندما يأتي الصباح، تراني أقف أمام البناية التي قادتني تحرياتي إلى أن فريستنا قد انتقل إليها، أسأل البواب.
- أية شقة سيدي؟
- الشقة التي يقطنها من اسمه همت أو طلعت.
- آهه.. شقة الأصلع تقصد؟!
- …!
- بلى بلى (بصقة على سبيل إظهار الفراسة).. إنه أصلع عجوز يدخن كحاوية نفايات أشعلت فيها إطارا قديما!. و..
- و؟
- واسمه رفعت.
- ألا يوجد شخص سواه؟ (سألته مفكرا في نفسي أن من نبحث عنه لن يكون عجوزا بأية حال كما أخبرتني، ثم إن حكاية الإطار المحروق هذه!). شخص هزيل شاحب اسمه..
بصق على سبيل إظهار التفكير، وقاطعني:
- همت.. همت!.. نعم! (بصقة أخرى على سبيل قول: وجدتها!).. هناك شابة خرقاء هزيلة كعود ثقاب، شاحبة كمصاص دماء تقطن الطابق الثالث، اسمها هالة!
هالة.. همت!.. هكذا كدت أطير فرحا!.. إن تغيرا طفيفا في الاسم لهو ضريبة واجبة السداد في أحاديث البوابين كما تعلم. ثم من أدرانا أنها هي نفسها لم تقلب اسمها لدواعي التخفي، واحتفظت بأثر خفيف من الاسم الماضي كعادة النفس البشرية في الارتياح لكل ما هو قديم؟
أنا الآن على ثقة من أنني وجدت الصيد الثمين!
بصقت أمام البواب على سبيل قول: شكرا جزيلا، ودخلت، أكاد أقفز قفزا، إلى حيث شقة الأستاذ زكريا، والد الفتاة، أمام نظرات البواب المندهشة، الذي لم ينس رغم كل شيء أن يبصق لمرة أخيرة على سبيل قول: عفوا.. لقد كثر المجانين حقا هذه الأيام!
لكنني لست مجنونا – هل سمعت عن رجل بكرش مثلي يجن؟ – الهزلاء فقط يجنون!
والآن دعني ألخص لك جميع القرائن التي جمعتها..
*
صديقي بروفيسور كاثريل..
لقد رأيت بنفسك أن الفتاة اسمها قريب من الاسم المفترض للمهندس الذي اتفقنا على أنه فتاة لأن اسم همت لا يطلق إلا على الفتيات هنا.
الفتاة هزيلة كخلّة أسنان.. شاحبة كمصاص دماء.
والدها، أستاذ المواد الاجتماعية، يتحدث في ألف موضوع في نفس اللحظة. طريقة كلامه الغريبة لم تفت فراستي المعهودة، وأدركت أنها محاولة فاشلة منه لإخفاء عيب ما في النطق. عيب ينشأ بالتحديد عن التعود على أكل اللحوم القاسية. إنها عائلة موبوءة بأكملها!
الفتاة منطوية وتنزوي كثيرا في غرفتها، وتقرأ قصص ما وراء الطبيعة!
هل هناك ما يقال أكثر؟
الفتاة تخرج في موعد يومي مع انتصاف الليل وتصعد إلى شقة ما حاملة في يدها كيسا من اللحم الطري!
الفتاة تغيب في الداخل لفترة ثم تخرج خالية الوفاض، ممسكة رأسها بيديها كأنها تعاني من الصداع!.. لكننا نحن فقط طبعا نعرف أن تمزيق اللحم القاسي يمكن أن يسبب الصداع لفتاة لم يتمرس فكها بعد على انتزاع القطع بحرفية.
هل أقول أكثر؟
طرقت باب الشقة الغامضة ذات ليلة فإذا بامرأة شمطاء تقف أمامي بسكين المطبخ في يدها وعلى وجهها علائم شرانية، فهرولت مسرعا أتكبكب نحو الأسفل وأنا لا أكاد أنظر خلفي لكي لا أتعثر.
هل أقول أكثر!
صديقي العزيز بروفيسور كاثريل..
لقد حانت ساعة الصفر. بعد قليل سأضغط زر إرسال الرسالة، وأتجه إلى موعدي مع القدر. سأتسلل خلسة إلى باب شقة (همت زكريا) على أطراف أصابعي. أعرف أن ما سأفعله يبدو جنونا لكنني يجب أن أعرف.. يجب أن أعرف.
بيدي مسدس محشو بأكمله.. في رأسي فئران وخفافيش وآكلي بشر.. في قلبي أطنان من مخاوف تجعله يهوي تحت قدمي..
في شقة الأستاذ زكريا….
وداعا أخي الحبيب
د. محمد شاهين

***

حكاية الشاحب الأصلي.. يحكيها هو بنفسه
*
تعرفون هذا النوع من المآزق: في الصالة يعلو عواء ذئب مجنون في ليلة اكتمل فيها القمر، وفي الداخل صوت الضربات على باب غرفة النوم الشبيه بخنزير بري حبيس.
ولو طلبتم رأي د. رفعت إسماعيل، لنصحكم بعدم البقاء ليلة العيد بمفردكم بعد منتصف الليل..
*
الجمعة 10 رمضان:
عادة غريبة هي أن يجلس المرء إلى مكتبه ليكتب مذكراته.. خاصة إذا كان المرء إنسانا عاديا من الذين تزخر بهم الطرقات وطوابير المجمعات الاستهلاكية..
بالنسبة لفرد تقليدي مثلي فلا بد أن المذكرات لن تزيد على: صحوت – أفطرت – ذهبت للعمل – عدت – نمت – صحوت – خرجت – نمت!
إذن لماذا قررت أنا أن أمارس هذه الجريمة؟!
*
السبت 11 رمضان:
هل تعرف هذا النوع من الأمسيات؟
لا أحد يطالبك بشيء.. لا أعمال.. لا واجبات اجتماعية.. لا مواعيد.. لا ضمير يؤنبك على إضاعة الوقت في كلام فارغ..
تجلس في الشرفة ترمق المدينة الناعسة التي أنهكها الكفاح، وتحسو قدحا من الشاي.
إنها من نوع الأمسيات التي أفضل..
أنا أيضا تعلمت أخيرا كيف أفهم الكون وأحبه، بعد ما ضاع شبابي في محاولات خرقاء لتغييره أو تهذيبه.
اليوم فقط فهمت أن هذا هو (أفضل العوالم الممكنة) وأننا حقا لمحظوظون..
*
الأحد 12 رمضان:
هل حان وقت الكلام؟
ولكن لماذا لا أحكي قصة أخرى؟
لماذا يفترض البعض أن علي أن أصمت وأستمع؟ لقد قضيت حياتي كلها أصمت وأستمع، والآن يبدو أن الوقت قد حان كي أتكلم فلا أفعل إلا الكلام..
*
الإثنين 13 رمضان:
أحيانا أشعر بالخوف من الليل.. أحيانا أشعر بالوحدة.. فأعود مجرد طفل واهن يرتجف من الظلام ويتمنى لو أضاء أحد أبويه غرفة النوم..
يقول البعض إنني أنا نفسي شبح وإنني سأكشف عن هذه الحقيقة يوما ما.
بارد متوحد صموت مظلم.. كما في الكوابيس..
” والآن اسمع كلامي يا رفعت.. كف عن الترحال؛ لأن من رأى أكثر، هو بالقطع معرض لأخطار أكثر.. لماذا لا تكف عن لعب دور الذبابة، التي لا تستقر في مكان؟.. لماذا لا تصير كالآخرين؟.. لماذا لا تتزوج؟ “..
*
الثلاثاء 14 رمضان:
كان الليل قد خيم في المنزل حين جلست أشاهد التلفزيون، وذلك بنظرات مختلسة من فوق كتاب (طارد الأرواح الشريرة).. وتنهدت وأنا أفكر في أسرار الكون المستغلقة. في مكان ما توجد الإجابة عن أسئلة عديدة..
هنا تذكرت أنني أحتفظ بمقالة نقدية من مجلة قديمة عن فيلم (الرقص مع الذئاب) الذي يعرض الآن على الشاشة. نهضت باتجاه غرفة النوم، لأجد أن الباب عالق. كم مرة شكوت لكم من ذاكرتي العجوز هذه. يبدو أنني أغلقت الباب بالمفتاح، ولأنني عجوز حذق كما علمتكم دائما أضعت هذا الأخير في مكان ما!
تعرفون هذا النوع من المآزق: في الصالة يعلو عواء ذئب مجنون في ليلة اكتمل فيها القمر، ذئب مجنون متوحد.. يركض في شاشة التلفزيون، ويعوي وحيدا للقمر..
[ لا أذكر أن فيلم الرقص مع الذئاب فيه مشهد كهذا، لكن لا تنسوا أبدا (دعني أخدعك.. دعني أنخدع!) ]
وفي الداخل صوت ضربات قبضتيّ الكاسحتين على باب غرفة النوم الذي لا يعبأ بما يحدث لكفيّ الرقيقتين حتى لو هشمهما تماما.
كانت هذه من الفترات الهادئة في حياتي.. ومعنى هذا أن مصيبة ستحدث قريبا جدا.. لقد اعتدت على أن يعقب الهدوء صخب..
ترى ما (شكل الأشياء القادمة)؟
*
الأربعاء 29 رمضان:
كنت وحدي – كالعادة – أجلس في فراشي وحولي عشرات المراجع الطبية، وبجواري المدفأة اللعينة، وكوب الشاي إياه، وفوقي عدد غير عادي من البطاطين.. لكني كنت أرتجف!.. وكانت الدموع تكاد تثب من عيني لأنه ما من إنسان يعبأ بي أو يقول لي كل عام وأنت بخير.. مجرد ليلة أخرى وعيد آخر يضاف إلى أعوامي الأربعين..
لو طلبتم رأي د. رفعت إسماعيل، لنصحكم بعدم البقاء ليلة العيد بمفردكم بعد منتصف الليل..
وهنا دق جرس الباب….
رفعت إسماعيل

5 ردود على “(13) انشر قصة أو عملا أدبيا لك”

  1. م.س. احجيوج قال:

    قرأتها في موعدها، لذلك لن أعيد قراءتها الآن. ربما لأن الوقت لن يكفي، أو ربما حفاظًا على المذاق الأول.

  2. عصام إزيمي (كودو سابقا) قال:

    بدأت أتأكد أن صديق هو صديق بالفعل.. ربما لم يعاصر عصره الذهبي عصري الذهبي بالمنتدى الذي يعرف، لكنني كنت أسأل عنه البعض والجميع يقول: اختفى..

  3. نانا قال:

    أول مره أقرا قصه بهالطريقه
    حلوه

  4. صديقة! قال:

    جميلة جدا يا صديق..لا أذكر أنني قرأتها من قبل، لكنها فعلا جميلة، أسلوبك مدهش ورائع كما هو دوما..
    تهانئي

  5. صديق قال:

    سيكون من الغريب أنني لم أعرضها عليك من قبل. هفوة أصدقاء!

    تبدو خططك العشرية أو الخمسينية مبشرة بالخير.

أكتب رداً: